خطبة الجمعة.. استقبال رمضان وتدارك الأعمار

استقبال رمضان وتدارك الأعمار

فضيلة الشيخ عدنان بن عبد الله القطان

27 شعبان 1445هـ – 8 مارس 2024 م

———————————————————————-

الحمد لله يمن على عباده بمواسم الخيرات، ليغفر لهم بذلك الذنوب ويكفّر عنهم السيئات، وليضاعف لهم به الأجور ويرفع الدرجات، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له واسع العطايا وجزيل الهبات، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، أفضل المخلوقات، أتقى الناس لربه وأخشاهم له في جميع الحالات، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الغر الميامين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما توالت الشهور والأوقات وسلم تسليما كثيراً.

أمّا بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)

معاشر المسلمين: سنة الله تعالى في خلقه، حياة ثم ممات، وحكمته في كونه، قدوم  وفوات، واقتضت فطرة الله عز وجل على بني البشر النقص والهفوات، والتقصير في أداء التكاليف والواجبات، ولهذا شرع سبحانه وتعالى، مواسم تمسح الذنوب والآفات، وتغسل الزلات، وتزيل العثرات ، مواسم تزيد في الحسنات، ويمحو الله بها الكثير من السيئات، ومن تلكم المواسم ، شهر رمضان المبارك، الذي ينتظر قدومه المسلمون بكل لهف، ويتأمله المؤمنون بكل شغف، وما هو إلا يوم أو يومان، ويحل هذا الضيف بيننا، فمرحباً بشهر رمضان المبارك ، فهكذا تُطوى الليالي والأيام، وتتقلص الأعداد والأرقام، وتنصرم الشهور والأعوام، والناس قسمان، قسم قضى نحبه، مرتهن بعمله، حسابه على ربه، وقسم ينتظر، فإذا بلغ الكتاب أجله،  (فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) فطوبى لمن وجد في صحيفته استغفاراً كثيراً،  وطوبى لمن صدقت نيته، وطابت سجيته، وحسنت طويته، فكم من الناس من ينتظر شهر رمضان بلهفة وشوق، لينهل من بركاته، ويغترف من خيراته، فهو المعين الدافق، والنهر الخافق، وهو شهر النفحات والرحمات الربانية، وما أحوجنا إليها في زمن ضعف فيه الإيمان، وفسدت فيه الكثير من القيم والأخلاق، وقست القلوب، وزاد القلق والهموم والغموم، وكثرت الهواجس، وضعف اليقين بما عند الله وما أعده لعباده. فما أحوجنا لهذه النفحات الربانية، يقول صلى الله عليه وسلم: (افْعَلُوا الْخَيْرَ دَهْرَكُمْ، وَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللَّهِ، فَإِنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ نَفَحَاتٌ مِنْ رَحْمَتِهِ، يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَسَلُوا اللَّهَ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَاتِكُمْ، وَأَنْ يُؤَمِّنَ رَوْعَاتِكُمْ). والنفحة عباد الله: هي ما ينشره الله لعباده ويفيضه عليهم من آثار رحمته من الخيرات والمواهب، وقد أجمل سبحانه نفحات هذا الشهر بقوله جل وعلا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)

أيها المؤمنون : إن بلوغ شهر رمضان، لنعمة كبرى، ومنة عظمى، يقدرها حق قدرها، الصالحون المشمرون، (بلغنا الله وإياكم شهر رمضان، وأعاننا فيه على الطاعات)، فواجب على كل مسلم ومسلمة منَّ الله عليه ببلوغ شهر رمضان، أن يغتنم الفرصة ويقطف الثمرة، فإنها إن فاتت كانت حسرة ما بعدها حسرة، وندامة لا تعدلها ندامة، فقد كان صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه بقدوم رمضان، تهيئةً لنفوسهم، وشحذاً لهممهم، يقول صلى الله عليه وسلم:  لما حضر رمضان: (قَدْ جَاءَكُمْ رَمَضَانُ ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ، افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ ، وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينُ، فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا ، فقَدْ حُرِمَ) فهذا رمضان يا عباد الله مقبل علينا بعد أيام قليلة،  فأقبلوا عليه، وخذوا منه الصحة لأجسامكم، والسمو لأرواحكم، والعظمة لنفوسكم، والقوة لأجسادكم، والبذل والفضل، والكرم والعفو والتسامح والصدق، لتسموا أخلاقكم،  فرمضان فرصة لتربية النفس في هذه الجوانب، لتستقيم طوال العام، ومن لم يدرك هذه الحقائق الربانية، فقد يخسر وأي خسارة أعظم من السقوط من عين الله ورعايته ورحمته، يقول صلى الله عليه وسلم، (مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ) ويقول عليه الصلاة والسلام: (رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ والتعب)

أيها الأخوة والأخوات في الله: ورمضان فرصة للتوبة النصوح، والندم على ما فات من التقصير، والعزم على عدم العودة للذنوب والمعاصي والآثام، فالتوبة إليه والتضرع بين يديه من أهم الأعمال في شهر رمضان.. فكلنا والله ذوو خطأ، وكلنا ذاك المذنب، والخطأ من طبيعة البشر، والمعصوم من عصمه الله سبحانه وتعالى، والكمال لصاحب الكمال سبحانه، وكل بني آدم خطاء، وخير الخطاءين التوابون. يقول صلى الله عليه وسلم: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُم). ولكن المصيبة يا عباد الله، أن نبقى على الخطأ، وأن ندوم على الذنب، وأن نصر على المعصية التي هي والله شؤم، وهي والله وحشة وعذاب من الله الواحد الديان.

فيا أيها المذنب وكلنا ذاك المذنب، ويا من زل وأخطأ وأذنب، ويا من بارز الله بالمعصية ، تب إلى الله وعد إلى رحابه قبل أن تفضح في يوم الفضائح، وتندم حين لا ينفع الندم (يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)… عباد الله: إن من أعظم الأمور المعينة على التوبة، أن يستحضر العبد سعة رحمة الله سبحانه وتعالى، فهو القائل: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)  وهو القائل سبحانه وتعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ(

أيها المسلمون: يقول تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ، لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ) ويقول صلى الله عليه وسلم: (اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعاً لِأَصْحَابِهِ..)

عباد الله: إن رمضان المبارك خطوة نحو التغيير لمن هجر  قراءة القرآن الكريم، وتدبر أحكامه والعمل بما فيه، فينبغي للمسلم أن يحدد لنفسه ورداً معيناً يحافظ عليه في كل يوم،  فيربي نفسه، ويزكي أخلاقه، ويعرف مكانه من الله، يقول تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) هذا الأحنف بن قيس رحمه الله، كان جالساً يوماً قبل شهر رمضان بأيام، فجال بخاطره قوله تعالى: (لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) فقال رحمه الله: عليّ بالمصحف لألتمس ذكري، حتى أعلم من أنا وما هي أعمالي ؟ فمر بقوم وهو يقرأ كتاب الله، قال تعالى فيهم (كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ، وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ، وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) ومر بقوم قال تعالى فيهم (الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) ومر بقوم وهو يقرأ في كتاب الله : (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) فقال تواضعاُ منه: اللهم لست أعرف نفسي في هؤلاء، ثم أخذ يقرأ فمر بقوم قال تعالى فيهم (إذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ) ومر بقوم : يقال لهم (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ، قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ، وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ، وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ، حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ) فقال:  اللهم إني أبرأ إليك من هؤلاء، حتى مر على قومٍ وهو يقرأ كتاب الله، قال الله فيهم : (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) فقال  اللهم أني من هؤلاء .. فاغفر اللهم الذنوب، واستر العيوب وتجاوز عن السيئات، وبلغنا رمضان بتوبة نصوح، وعمل صالح يا ذا الجلال والإكرام.

أيها المسلمون: ليكن رمضان هذا العام، مختلف عن كل عام، فنؤدي فيه الصيام بشروطه وأحكامه وآدابه، ونعزم فيه على التوبة من الذنوب والمعاصي، ونرد فيه الحقوق والمظالم إلى أهلها، ونستغل أوقاته بالصلاة والقيام وصلاة التراويح والذكر والدعاء والصدقة وقراءة القرآن..  ولنقم فيه بإصلاح ما فسد من العلاقات فيما بيننا.. بين الأبن وأبيه والأخ وأخيه، والجار وجاره، والصديق وصديقه، والقريب وقريبه، ولنصل أرحامنا، وعلينا أن نجعل من رمضان نقطة لتزكية نفوسنا، وتهذيبها بالأخلاق، وعلينا القيام بواجباتنا ومسئولياتنا على أكمل وجه، ولنتراحم فيما بيننا، فيعطف الكبير على الصغير، والغني على الفقير، ويرحم القوي الضعيف. فوالله لقد آن لنا أن نقوم بهذه الأعمال، حتى يكتب سبحانه وتعالى لنا الفوز والنجاة في الدنيا والآخرة، ولكي ينظر إلينا سبحانه وتعالى برحمته وعفوه، فيرفع عنا كل شر ومكروه وبلاء، وقد حذر سبحانه من هذه الغفلة فقال: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) فلنستعد بنية خالصة لوجه الحي القيوم، ولنستبشر ولنفرح بمواسم العبادات والطاعات، لما فيها من الفضائل والمنح والهبات، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)

فاللهم اجعلنا لك ذاكرين.. لك شاكرين.. لك خاضعين.. لك صائمين ومنفقين ومتصدقين، اللهم بلغنا رمضان وبارك لنا فيه وأعنا على الصيام والقيام وسائر الطاعات، واكتب لنا فيه القبول والرضوان، يا سميع الدعاء.

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي سيد المرسلين، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية

الحمد لله يمُن على عباده بمواسم الخيرات، ونشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له ربُ البريات، ونشهدُ أن نبينا محمداً عبدُه ورسولُه المبعوثُ بكريم السجايا وشريف الصفات، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أولي الفضل والمكرمات، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ ما دامت الأرض والسماوات.

أما بعد فيا أيها المسلمون والمسلمات: لقد أظلنا زمان شهر رمضان المبارك، كنّا قد وعدنا أنفسنا قبله أعواماً ومواسم، بالتوبة والعمل الصالح، ولعل بعضنا قد أمَّل وسوَّف وقصَّر، فها هو قد مدَّ له في أجله، وأخّر وأمهل، حتى قرب من شهر رمضان، فماذا عساه بعد هذا أن يفعل؟! نسأل الله تعالى أن يبلغنا بمنه وفضله هذا الشهر الكريم بالصحة والعافية والسلامة والإسلام والتوفيق لما يحبه ويرضاه… فكم يا عباد الله نعرف من الأهل والآباء والأمهات والأبناء والإخوان والأقارب والجيران صاموا معنا في العام الماضي، وهم الآن تحت الجنادل والتراب وحدهم، أتاهم الموت، أتاهم هادم اللذات، ومفرق الجماعات، وآخذ البنين والبنات، فاختطفهم من بين أيدينا، أسكتهم والله فما نطقوا، وأرداهم فما تكلموا، كأنهم والله ما ضحكوا مع من ضحك، ولا أكلوا مع من أكل، ولا شربوا مع من شرب ولا صاموا مع من صام.. فهل من تائب إلى الله يا عباد الله؟ هل من عائد إلى رحاب ربه؟ وهل من توبة صادقة؟ وهل من عودة حميدة؟ يا شيخاً كبيراً احدودب ظهره، وابيض شعره، ودنا أجله، وهو مصر على الذنوب والمعاصي، ماذا أعددت للقاء الله؟ وماذا بقي لك في هذه الدنيا؟ يقول سفيان الثوري رحمه الله: (إذا بلغ العبد ستين سنة، فليشتر كفناً وليهاجر إلى الله عز وجل) ويا شاباً غره شبابه وطول الأمل، وأسرف على نفسه بالمعاصي، ماذا أعددت للقاء الله؟ متى تستفيق إن لم تستفق اليوم؟ ومتى تتوب إن لم تتب في هذه الساعات؟ ومتى تعمل إن لم تعمل في هذه اللحظات؟ ألا ترى قصر الأعمار، وموت الشباب وفجآءة الموت وكثرة المشَيعين؟

إن الواجب علينا جميعاً أن نتقي الله عز وجل ونتخذ من استقبال شهرنا موقف محاسبة وتوبة، ونقطة رجوع إلى الله وعودة إلى حماه، فمن كان تاركًاً للصلاة فليتب، ومن كان عاصياً لله  فلينب، ليهتم كل أب ببيته وتربية أبنائه على تعاليم الإسلام، فإنه سيموت وحده، ويبعث وحده، ويحاسب على ما قدمت يداه، ليكن كل إنسان منا مفتاحاً للخير مغلاقًاً للشر، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، بالحكمة والموعظة الحسنة، وليجعل من نفسه مشعل خير في أهل بيته وحيّه ومن حوله، وفي وطنه، لنكن أمة واحدة كما أراد الله منا حين قال: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) أيها الأخوة والأخوات في الله: يستقبل المؤمنون في كل مكان في هذه الأيام القريبة القادمة موسم رمضان؛ ذلكم الشهر العظيم شهر الخيرات والبركات، يستقبله المسلمون، والأمة في بعض بلدان المسلمين يعانون من جراحات مثخنة، ونزيف مؤلم، وفي بعض ديارهم يعانون من فتنٍ متلاطمة، وفتنٍ تموج وتتلاطم بالناس، ولا عاصم من ذلك إلا الله جل وعلا.

وعندما يتأمل المسلم الناصح الغيور في هذا الواقع المرير المؤلم في بعض ديار الإسلام يتوجه إلى الله، وهو يستقبل هذا الشهر المبارك سائلاً ربه جل في علاه أن يجعل هذا الشهر المبارك شهر عزٍ لأمة الإسلام، وصلاحٍ لأحوالها، ونجاةٍ لها من الفتن، وخلوصٍ من المحن وحقنٍ لدماء المسلمين وأمنٍ لروعاتهم وسترٍ لعوراتهم، وكشفٍ لغمتهم في كل مكان، ولا ملجأ إلا إلى الله سبحانه وتعالى.

اللهم بارك لنا فيما بقي من شعبان، وبلغنا برحمتك شهر رمضان، يا ذا الجلال والإكرام..اللهم أهله علينا وعلى بلادنا وقيادتنا وعلى جميع المسلمين، بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام، والتوفيق لما تحب وترضى.. اللهم قد أظلنا شهر رمضان وحضر، فسلمه لنا وسلمنا له، وارزقنا صيامه وقيامه، وارزقنا الجد والاجتهاد والقوة والنشاط، وأعذنا فيه من الفتن والمحن. اَللّهُمَّ اجعَلنا فيهِ مِنَ المُستَغْفِرينَ، واجعَلنا فيهِ مِن عِبادِكَ الصّالحينَ القانِتينَ، واجعَلنا فيهِ مِن أوليائك المُقَرَّبينَ، بِرحمتك يا اَرحَمَ الرّاحمينَ.

اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين، اللهم اجعل كلمتك هي العليا إلى يوم الدين.

اللهم آمنا في وطننا وفي خليجنا واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين.. اللهم وفق ولاة أمورنا وفق ملكنا حمد بن عيسى وولي عهده رئيس وزرائه سلمان بن حمد اللهم وفقهم لما تحب وترضى، وخذ بنواصيهم للبر والتقوى وهيئ لهم البطانة الصالحة الناصحة يا رب العالمين

اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان،

اللهم احفظ أهلنا في فلسطين والأقصى وغزة، وكن لهم ناصراً ومؤيداً ومعيناً، اللهم ارحم ضعفهم، وارفع البلاء عنهم، واخذل عدوهم ومن بغى عليهم، اللهم اجبر كسرهم، وأطعم جائعهم، واسقي ظمئهم، واحمل حافيهم، وأكس عاريهم، وداو جرحاهم، وارحم موتاهم، واكتبهم عندك من الشهداء الأبرار، اللهم لا تسلط عليهم من لا يخافك ولا يرحمهم

اللهم أحفظ المسجد الأقصى والمرابطين فيه، مسرى نبيك وحصنه بتحصينك وأكلاه برعايتك وعنايتك واجعله في حرزك وأمانك وضمانك يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا، ونفس كروبنا وعاف مبتلانا واشف مرضانا، واشف مرضانا وارحم والدينا، وارحم موتانا وارحم موتانا وشهدائنا برحمتك يا أرحم الراحمين.

الْلَّهُمَّ صَلِّ وَسَلَّمَ وَزِدْ وَبَارِكَ عَلَىَ سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَىَ آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِيْنَ.

(سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)