خطبة الجمعة.. وافعلوا الخير لعلكم تفلحون

وافعلوا الخير لعلكم تفلحون

فضيلة الشيخ عدنان بن عبد الله القطان

12 رمضان 1445 هـ – 22 مارس 2024 م

—————————————————————————-

الحمد لله الذي مَنَّ على عباده بمواسم الخيرات؛ ليتزوَّدوا فيها من القُرُبات، ويغفر لهم الذنوب، ويُجزل لهم الهبات، نحمده سبحانه ونشكره، وفَّق مَنْ شاء من عباده فأطاعه واتقاه، وخذل من شاء فأضاع أمره وعصاه، ونشهد ألا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، الكبير المتعال، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله، فتقوى الله وصية الله للعباد، وزاد المتقين يوم المعاد، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)

معاشر المسلمين: إن أسمى الغايات، وأنبل المقاصد، أن يحرص الإنسان على فعل الخير، ويسارع إليه، وبهذا تسمو إنسانيته، ويتشبه بالملائكة ويتخلق بأخلاق الأنبياء والصديقين، لذلك فقد أوصى الإسلام الحنيف الإنسان أن يفعل الخير مع الناس، بغض النظر عن معتقداتهم وأعراقهم يقول سبحانه: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ، أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً، إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) إن غايات الناس مختلفة، وأهدافهم شتى فمنهم من تتحكم فيه الأنا والشهوات، كالجاه والمنصب والتجبر والعلو في الأرض بغير حق، أما الإيمان فإنه يجعل وجهة المؤمن، متجهة إلى فعل الخير والمسابقة إليه، لذلك يجب أن يكون شعار المسلم وغايته في الحياة، (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)

عباد الله: إن من كرم الله سبحانه أن فتح لعباده كثيراً من أبواب الخير، وحثَّهم على المسارعة إليها، والتسابُق إليها في كل وقتٍ وحين، لما يترتبُ عليها بإذن الله تعالى من تحصيل الحسنات، ورفعة الدرجات، ومحو الخطيئات؛ يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ولأن الله تعالى كريمٌ وعليمٌ بما تُخفي الصدور وما تُكنُّه النيَّات؛ فقد جاء قوله تعالى: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) كما أن من عظيم نعمة الله تعالى على عباده أنه سبحانه يقبل العمل الصالح الخالص لوجهه سبحانه ولو كان يسيراً، ثم يُجازي عليه بالأجر الكثير قال تعالى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا) وسأستعرض معكم عباد الله في هذه الخُطبة، بعض صور العمل الصالح التي قد لا ينتبه لها بعض الناس؛ لأنهم يرونها أعمالاً يسيرةً، ومُمارساتٍ عاديةً لا تستوجب التركيز عليها أو الاهتمام بها؛ لكنها في حقيقتها من العمل الصالح الذي يُمكن للإنسان أن يقوم به فيكسب الأجر والثواب العظيم من الله تعالى، متى صلحت النية، وكان ذلك خالصاً لوجهه الكريم.. فعندما تذكر الله سبحانه وتعالى، وتُرطِّب شفتيك أخي المسلم بتسبيحةٍ، أو تحميدةٍ، أو تهليلةٍ، أو تكبيرةٍ؛ فأنت تعمل الخير، ولا يُكلِّفك ذلك جُهداً، ولا تصرف من مالك شيئاً، وقد صحَّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بالمَعروفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقَةٌ) وعندما تستغفر الله تعالى، وتطلب منه جل جلاله العفو والصفح والغُفران؛ فأنت تعمل الخير، وتمتثل لأمر الله تعالى في كتابه العزيز؛ حيث يقول سبحانه: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً) وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: مَن لَزِمَ الاستغفارَ، جعل اللهُ له من كلِّ ضِيقٍ مَخْرَجاً، ومن كلِّ هَمٍّ فَرَجاً، ورَزَقَهُ من حيثُ لا يَحْتَسِبُ)

وهنا أُنبِّه إلى أهمية وضرورة الإكثار من الاستغفار؛ لأنه بإذن الله تعالى أمانٌ من حلول العذاب، ومَخرجٌ للناس في حياتهم الدنيا، وفي واقعهم المعاصر من الفتن والمِحن والابتلاءات التي تُحيط بهم من كل جانب؛ نسأل الله تعالى السلامة والنجاة منها. إن من رحمة الله بنا ومزيد فضله علينا ما رتب على الاستغفار من عظيم الجزاء وسابغ الفضل والعطاء؛ فإن كثرة الاستغفار والتوبة، من أسباب تنزل الرحمات الإلهية، والألطاف الربانية، والفلاح في الدنيا والآخرة، كما قال سبحانه: (لَوْلاَ تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) وقال عز وجل: (وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)

وإذا كثر الاستغفار في الأمة وعم أفرادها، وصدر عن قلوب موقنة مخلصة دفع الله به عن العباد والبلاد ضروباً من البلاء والنقم، وصنوفاً من الرزايا والمحن؛ كما قال عز وجل: (وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)

أيها المسلم والمسلمة: وعندما تخرج من بيتك أو مكان عملك أو متجرك إلى المسجد لتُؤدِّي فريضةً من الفرائض؛ فأنت تعمل الخير؛ لما صحَّ عنه صلى لله عليه وسلم، أنه قَالَ: (مَنْ غَدَا إِلَى المَسْجِد أَوْ رَاحَ، أَعَدَّ اللهُ لَهُ في الجَنَّةِ نُزُلاً كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ) وعندما تقوم بتوفير ماء الشرب وتوزيعه على الناس في المنازل، وفي المساجد، وفي أماكن وجودهم، فأنت تعمل الخير، وتطمع في نيل الثواب العظيم؛ لا  سيَّما إذا كان ذلك العمل صَدَقةً عن الأموات، فقد ورد الحثُّ على هذا العمل الصالح في حديث يُروى عن سعدِ بْنِ عُبَادَةَ رضي الله عنه أن أمَّه ماتَتْ، فقال: يا رسولَ اللهِ، إن أمِّي ماتَتْ، أفأَتَصَدَّقُ عنها؟ قال: (نعم)، قلْتُ: فأيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قال: (سقْي الماءِ) وعندما تُميط الأذى عن الطريق، وتُزيل ما قد يُؤذي الناس فيه؛ فأنت تعمل الخير الذي يُثيب الله تعالى عليه بالأجر العظيم، فقد جاء في الحديث الصحيح: (بينما رجلٌ يمشي بطريقٍ، وجد غصنَ شوكٍ على الطريق، فأَخَّرَه، فشكر الله له، فغفر له). وعندما توفِّرُ كُرسيًّاً مُتحرِّكاً لمن يحتاجه من عباد الله تعالى المرضى أو كبار السن في منزله، أو في مكان علاجه، صَدَقة) فأنت تعمل الخير الذي يندرج تحت ما جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كلُّ معروفٍ صَدَقة) وعندما تزرع شجرةً، ويستفيد منها أحدٌ من خلق الله سواءً بثمرها، أو بظلِّها، أو بورقها، أو غير ذلك فأنت تعمل الخير الذي يندرج تحت ما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما مِن مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْساً إلَّا كانَ ما أُكِلَ منه له صَدَقَةً، وما سُرِقَ منه له صَدَقَةٌ، وما أكَلَ السَّبُعُ منه فَهو له صَدَقَةٌ، وما أكَلَتِ الطَّيْرُ فَهو له صَدَقَةٌ، ولا يَرْزَؤُهُ أحَدٌ إلَّا كانَ له صَدَقَةٌ) أي لا ينقصه ويأخذ منه أحد.. وعندما تُسقي إنساناً، أو حيواناً، أو طيراً من الماء فترويه من العطش، فأنت تعمل الخير، وستنال على ذلك الأجر والثواب من الله تعالى؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (في كل كبدٍ رطبةٍ أجر) … وعندما تمرُّ بإنسانٍ يسير على قدميه في حرِّ الشمس، أو في الجوِّ المطير، أو نحو ذلك، فتأخذه بسيارتك فتوصله إلى حيث يُريد، فأنت تعمل الخير وتُعينُ عليه، وقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ قيلَ: أرَأَيْتَ إنْ لَمْ يَجِدْ؟ قالَ: يَعْتَمِلُ بيَدَيْهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ ويَتَصَدَّقُ، قيلَ: أرَأَيْتَ إنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟ قالَ: يُعِينُ ذا الحاجَةِ المَلْهُوف) …

وعندما تُرشد إنساناً إلى مكانٍ يسأل عنه، أو تدُله على المكان الذي يرغب الوصول إليه، وتُساعده في ذلك؛ فأنت تعمل الخير الذي صحَّ عن النبي صلى لله عليه وسلم أنه، قال: (ودَلُّ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ)..

 وعندما تُقابل الناس الذين تعمل معهم، أو تلتقي بهم في مكان سكنِك، أو عملك، أو تجارتك، أو وظيفتك، أو صلاتك، أو سفرك، أو غير ذلك، عندما تلتقي بهم، بوجهٍ طلقٍ، وابتسامةٍ لطيفةٍ، ومُحيًّا جميل؛ فأنت تعمل الخير، وتبتغي من الله تعالى الأجر والثواب؛ قال رسول الله صلى لله عليه وسلم: تبسُّمِك في وجه أخيكَ لكَ صَدَقة) وقال صلى الله عليه وسلم: (ومن المعروف أن تلقَى أخاك بوجهٍ طَلْق) وعندما تزور مريضاً فتُسلِّم عليه، وتطمئنُّ على صحَّته، وتُدخل السرور إلى نفسه، وتدعو له؛ فأنت تعمل الخير الذي قال فيه نبينا محمدٌ صلى الله عليه وسلم: (إذَا عَادَ المرءُ أخَاهُ المُسْلِمَ، مَشَى فِي خُرَفَةِ الجَنَّةِ، (جناها وثمرها) حَتَّى يَجْلِسَ، فَإذَا جَلَسَ غَمَرَتْهُ الرَّحْمَةُ، فَإِنْ كَانَ غُدْوَةً صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ، وإنْ كَانَ مَسَاءً صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ)

وعندما تدخل إلى منزلك أو غيره من المنازل، أو المساجد، أو المكاتب، أو المتاجر، أو أماكن وجود الناس، فتذكر الله تعالى، وتُسلِّم على من فيه؛ فأنت تعمل الخير؛ لما جاء عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (يَا بُنَيَّ، إِذَا دَخَلْتَ عَلَى أَهْلِكَ فَسَلِّمْ، يَكُنْ بَرَكَةً عَلَيْكَ، وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ) وعندما تذهب إلى بعض المحلَّات التجارية أو البرادات؛ لتقوم بتسديد الديون المُسجلة على بعض الأُسر الفقيرة ابتغاء مرضاة الله تعالى، فأنت تعمل الخير؛ لأنك قضيت دين هذه الأُسرة، ونفَّسْت كُربةً من كُرباتها، وقد صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (مَنْ سرَّه أن يُنجيه الله من كرب يوم القيامة، فلينفِّس عن مُعسِر، أو يضع عنه)

 وعندما تتفقَّد احتياجات بعض المساجد والجوامع وتقوم بتوفيرها كالمصاحف والفرش ومكبِّرات الصوت ورفوف المصاحف والمراوح والمكيِّفات وتتفقُّد الأبواب والنوافذ وإصلاح مصابيح الكهرباء وأدوات السباكة،

ونحو ذلك مما لا غنى عن تفقُّده وإصلاحه بين حينٍ وآخر، فأنت تعمل الخير، وتكون بإذن الله تعالى ممن يعمرون بيوت الله في الأرض حسيًّاً ومعنويًّا.

أيها المسلمون: اعلموا أن باب الله مفتوحٌ، وأن فضله للراغبين ممنوح، وعطاؤه لعباده يغدو ويروح، فأين العاملون الذين يتنافسون في أعمال الخير، وإليها يتسابقون؟

 نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل الخير، وأن يوفِّقنا لأن نكون ممن قال الله فيهم: (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ)

اللهم إنا نسألك لفاعل الخير زيادةً في إيمانه، وسعةً في رزقه، وسعادةً في دنياه وأخراه، وبركةّ في عمره، وعافيةً في جسده، وجنة الفردوس في الآخرة يا رب العالمين.

نفعني الله وإيّاكم بالقرآن العظيم، وبهديِ سيد المرسلين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيمَ الجليل لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كلّ ذنبٍ فاستغفروه، إنّه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، ونشهد ألا إله إلا الله، لا خير إلا خيره، ولا باقي إلا وجهه، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، ما من خير إلا دلَّنا عليه، ولا شر إلا حذرنا منه، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد فيا أيها المسلمون والمسلمات: صح في الحديث أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: مَن أنْفَقَ زَوْجَيْنِ في سَبيلِ اللَّهِ،  (أي عَدَدِ اثنَينِ مِن أيِّ شَيءٍ) نُودِيَ مِن أبْوَابِ الجَنَّةِ: يا عَبْدَ اللَّهِ هذا خَيْرٌ، فمَن كانَ مِن أهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِن بَابِ الصَّلَاةِ، ومَن كانَ مِن أهْلِ الجِهَادِ دُعِيَ مِن بَابِ الجِهَادِ، ومَن كانَ مِن أهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِن بَابِ الرَّيَّانِ، ومَن كانَ مِن أهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِن بَابِ الصَّدَقَةِ، فَقالَ أبو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عنْه: بأَبِي أنْتَ وأُمِّي يا رَسولَ اللَّهِ ما علَى مَن دُعِيَ مِن تِلكَ الأبْوَابِ مِن ضَرُورَةٍ، فَهلْ يُدْعَى أحَدٌ مِن تِلكَ الأبْوَابِ كُلِّهَا (أي ليس على الشَّخصِ الَّذي يُدْعى مِن أيِّ بابٍ مِن تلك الأبوابِ ضَرَرٌ يَلحَقُه أبداً؛ لأنَّ مآلَهُ الفوزُ بنَعيمِ الجنَّةِ، فقال صلى الله عليه وسلم: نَعَمْ، وأَرْجُو أنْ تَكُونَ منهمْ يا أبا بكر رضي الله عنه.

إنها الحقيقة يا عباد الله التي يجب العمل من أجلها، فطُرُقُ الخير كثيرة، وأبواب العملِ الصالح مُشرَعة، وقد قال أهل العلم: إنَّ أعمالَ البرِّ لا تُفتح كلُّها للإنسان الواحدِ في الغالب.. إن فُتِح له في شيء منها لم يكن له في غيرها، وقد يُفتَح لقليلٍ من الناس أبوابٌ متعدِّدة.

وقد كان أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم – من شِدَّة حُبِّهم للخير، وحرصهم على العمل الصالح – يَسألون رسولَ الله: أيُّ الأعمال أفضَل؟ ويسألونه: أيُّ الأعمال أحبُّ إلى الله؟ لأنهم يعلمون أن الإنسانَ ليس في وُسعِه ولا في طاقتِه أن يأتيَ بجميع الأعمال. وقد كان جوابُ رسول الله متعدِّداً، في أوقاتٍ مختلفة، وأحوال مختلفة، ووجهُ الحكمة في ذلك اختلافُ أحوال السائلين واختلاف أوقاتهم فأعلَمَ كلَّ سائل بما يحتاج إليه، أو بما له رغبةٌ فيه، أو بما هو لائق به ومناسبٌ له.

أيها المؤمنون: إن مفهوم الخير واسع، وليس محصوراً في شيء، فهو اسم شامل لكل ما ينتفع به المرء عاجلاً أو آجلاً، إننا يا عباد الله في أيام وليالي إعتاق الرقاب وقَبول المتاب، ومضاعَفة الحسنات، ورفعة الدرجات، فهَلُمُّوا عباد الله وَأَرُوا اللهَ من أنفسكم خيراً في مواسم الخيرات، ولا تُفَرِّطُوا في أوقاتها؛ فالعاقل لا يزهد في اكتساب الأعمال الصالحات، ولا يُسَوِّفُ ولا يتأخَّرُ في اغتنام القُرُبات، بل يلزم اليقظةَ ويتدارك ما فات. وعلى المسلم أن يتحرَّى الخيرات، ويستكثر منها حتى يعتاد عليها وتصير لها سجيةً في النفس، وعادةً في الطبع، فقد روي عن أحد الصحب الكرام قوله: عَوِّدُوا أنفسَكم الخير؛ فإني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول: الخيرُ عادةٌ، والشرُّ لجاجةٌ، وَمَنْ يُرِدِ اللهُ به خيراً يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ).. والمسلم مأمور بأن يطلب الخيرَ في دهره كله، ولكنه مطلوب منه أن يَجِدَّ ويعزم على استغلال الأيام الفاضلة، كفرصة هذا الشهر العظيم، الذي تُفَتَّح فيه أبوابُ الجنة، فما على المشمِّرين إلا أن يُقبلوا، وما على المتسابقينَ إلا أن يُبَادِرُوا، وقد تيقَّن المفلحون أن من الغبن والحرمان أن يُحرم المرءُ فضلَ هذا الشهر، فقد صحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:(رَغِمَ أنفُ أمرئ دخَل عليه رمضانُ ثم انسلخ قبل أن يُغفر له)

اللهم أعنا على فعل الخير واجعلنا ممن يسابقون على فعله، اللهم استعملنا لطاعتك وسخرنا لفعل كل ما يقربنا اليك، واجعل لنا بصمة خير في هذه الدنيا.

اللَّهُمَّ إِنِّا نسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِنا، وَتَرْحَمَنِا، وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةَ قَوْمٍ فَتَوَفَّنِا غَيْرَ مَفْتُونٍين، وَنسْأَلُكَ اللهم حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنِي إِلَى حُبِّكَ يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم افتح لنا أبواب خيرك الواسع واجعلنا من المخلصين الذين يسعون لرضاك والجنة، وقدرنا على فعل الخير يا رب العالمين.

اللهم وفقنا لاغتنام الخيرات في هذه الأيام المباركات، وضاعف لنا فيها الدرجات.

اللهم اجعلنا في هذا الشهر الفضيل من المستغفرين، واجعلنا فيه من عبادك العاملين الصالحين القانتين، واجعلنا فيه من أوليائك المقربين برأفتك يا أرحم الراحمين.

اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين، اللهم اجعل كلمتك هي العليا إلى يوم الدين.

اللهم آمنا في وطننا وفي خليجنا وأجعله آمناً مطمئناً سخاءً رخاءً، وسائر بلاد المسلمين.  اللهم جنبنا الشرور والفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن، وأنعم علينا بالأمن والأمان والخير والرخاء والعزة والمنعة يا رب العالمين. اللهم وفق ولاة أمورنا، وفق ملكنا حمد بن عيسى وولي عهده رئيس وزرائه سلمان بن حمد، اللهم وفقهم لما تحب وترضى، وخذ بنواصيهم للبر والتقوى وهيئ لهم البطانة الصالحة الناصحة يا ذا الجلال والإكرام..

اللهم كن لإخواننا المستضعفين في كل مكان، ناصراً ومؤيداً ومعيناً وظهيراً، اللهم كن لهم في فلسطين وغزة وفي كل مكان، اللهم احفظهم وأصلح أحوالهم، وفرج همهم ونفس كربهم، واحقن دمائهم، وفك الحصار عنهم، وأطعم جائعهم، وحقق آمالهم وألف بين قلوبهم ولا تجعل لعدو ولا طاغية عليهم سبيلاً .

اللهم فرج الهم عن المهمومين، ونفس الكرب عن المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين.. اللهم اغفر لنا ولموتانا وموتى المسلمين واغفر لآبائنا وأمهاتنا ويمن كتابنا، ويسر حسابنا وثقل بالحسنات ميزاننا، وثبت على الصراط إقدامنا واسكنا في أعلى الجنات في جوار نبيك ومصطفاك وآله وصحبه يا ذا الجلال والإكرام.

(الْلَّهُمَّ صَلِّ وَسَلَّمَ وَزِدْ وَبَارِكَ عَلَىَ سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَىَ آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِيْنَ)

 (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)