خطبة الجمعة.. العلاج الناجع في مواجهة المصائب

العلاج الناجع في مواجهة المصائب

فضيلة الشيخ عدنان بن عبد الله القطان

14 رجب 1445 هـ – 26 يناير 2024 م

——————————————————————————–

 

الحمد لله الذي جعل الحمد مفتاحاً لذكره، ومصباحاً يهتدي به من وفق لشكره، وسبباً للمزيد من فضله ونعمته، نحمده على عواطف كرمه، وسوابغ نعمه، ونسأله الصبر على بلوائه، والشكر على نعمائه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، الذي بعثه لإنفاذ أمره وإنهاء عذره وتقديم نذره، شهادة يوافق فيها السر الإعلان، والقلب اللسان، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.

أمّا بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)

معاشر المسلمين: اعلموا رحمكم الله، أن المصائب والبلايا والكوارث في هذه الحياة الدنيا سهام مشرعة، ورماح للبلاء معدة مرسلة، فهي دار ابتلاء وامتحان، ونكد وأحزان، يقول تبارك وتعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ) أي في تعب ومشقة.

فكم هي المصائب والنكبات التي تحصل للإنسان على مر الدهور ، وجريان العصور، ابتلاء من الله تعالى لعباده ليمحص المخلصين من المنافقين ، والصادقين من الكاذبين ، فمن الناس من إذا أصابته مصيبة أو نزلت به نازلة  شكى بثه وحزنه للناس، وتسخط على أقدار الله تعالى ، وربما دعا بدعوى الجاهلية ، فشق الجيوب ، ولطم الخدود ، ودعا بالويل والثبور،  وهذا خلاف ما أمر به الشارع الكريم حيث قال الله تعالى آمراً عباده بالصبر: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إن اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) وجاء في ذكر الأمر بالصبر على المصائب، أحاديث صحيحة من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فعَنْ أُسَامَةَ ابْنِ زَيْدٍ رضي الله عنهما قَالَ، كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ إِحْدَى بَنَاتِهِ، تَدْعُوهُ وَتُخْبِرُهُ أَنَّ صَبِيًّاً لَهَا أَوِ ابْناً لَهَا فِي سكرات الْمَوْتِ، فَقَالَ لِلرَّسُولِ: ارْجِعْ إِلَيْهَا فَأَخْبِرْهَا أَنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَمُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ، ثم ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيتها ليواسيها: فَرُفِعَ إِلَيْهِ الصَّبِيُّ وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ في صدره، فَفَاضَتْ عَيْنَا رسول الله بالدموع، فقيل لَهُ مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ) وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ: مَرَّ النبي صلى الله عليه وسلم بِامْرَأَةٍ تَبْكِي على قبر ابن لها قد مات فَقَالَ لها: (اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي) قَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي، وَلَمْ تَعْرِفْهُ، فَقِيلَ لَهَا إِنَّهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَأَتَتْ بَابَ النَّبِيِّ  فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ، فَقَالَتْ: لَمْ أَعْرِفْكَ يا رسول الله فَقَالَ: (إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى) وقال صلّى الله عليه وسلّم: (عَجَباً لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وليسَ ذاكَ لأَحَدٍ إلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إنْ أصابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكانَ خَيْراً له، وإنْ أصابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكانَ خَيْراً له)

وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (إذا ماتَ ولَدُ العبدِ قالَ اللَّهُ لملائِكتِهِ (وهو أعلم) قبضتم ولدَ عبدي فيقولونَ نعم، فيقولُ قبضتُم ثمرةَ فؤادِهِ فيقولونَ نعم، فيقولُ ماذا قالَ عبدي فيقولونَ حمِدَكَ واسترجعَ، فيقولُ اللَّهُ ابنوا لعبدي بيتًا في الجنَّةِ وسمُّوهُ بيتَ الحمْدِ)

وقال صلى الله عليه وسلم: ليسَ مِنَّا مَن لَطَمَ الخُدُودَ، وشَقَّ الجُيُوبَ، ودَعَا بدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ

فعلينا عباد الله :أن نعلم أن المؤمن يتقلب في هذه الدنيا بين خير وشر، وضراء وسراء، ومواجع وفواجع ، وكوارث ومصائب، منها ما هو خفيف يمر مر السحاب ، ومنها ما هو كالجبال الراسيات، امتحاناً من الله تعالى لعباده وتمحيصاً لإيمانهم واختباراً لصدقهم،  تصديقاً لقوله تعالى 🙁 ألم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) فالفتنة في هذه الدنيا لا بد منها لتمحيص العبد، وله الأجر العظيم، إذا صبر واحتسب المصيبة عند ربه، فسوف يخلف الله له خيراً منها، يقول صلى الله عليه وسلم: ( مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ، وَلَا وَصَبٍ ـ مرض ـ وَلَا هَمٍّ ، وَلَا حُزْنٍ ، وَلَا أَذًى  وَلَا غَمٍّ ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا ، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ) فالفتنة والمصيبة التي تصيب العبد ما هي إلا رفعة في درجاته إذا صبر واحتسب الأجر، لأن الدنيا مزرعة للآخرة وليس العكس، فالإنسان يسعى جاهداً في هذه الدنيا ليبني الآخرة، فالدنيا ضيقة في نظر العبد المسلم، لأنها دار ممر لا دار مقر ، سرعان ما يموت ويتركها خلف ظهره، فطوبى لمن عمل فيها خيراً، وأُجِرَ كثيراً، قَالَ صلى الله عليه وسلم  (الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ)

فمن أراد الله به خيراً عرضه للفتن، وأصابته المصائب، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْراً يُصِبْ مِنْهُ)

وهنا سؤال يطرح نفسه لماذا تصيب المسلم الفتن والمحن والمصائب؟ والجواب: حتى يلقى الله عز وجل وليس عليه خطيئة، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (مَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ، وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ، حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ). فالمصيبة سبب لحصد الحسنات وتكفير السيئات، ولقاء الله تعالى نظيفاً طاهراً خالياً من الأوزار والخطايا.

أيها الاخوة والأخوات في الله: ومن الأسباب التي يتسلى بها المسلم عن مصيبته، ويعالج حرها ويقهر سمومها، وتكون حافزاً للصبر على الفتنة في الدنيا: أمور كثيرة منها:

أولاً: النظر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف صبر على أذى قومه وعلى بلائه، وكذلك صبر الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم على تكذيب أقوامهم لهم وعلى ابتلاءاتهم، قال تعالى لنبيه آمراً إياه بالصبر: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) … ثانياً: النظر في العاقبة الحسنة لمن صبر واحتسب أجر المصيبة عند الله تعالى كما في قوله تعالى: (..وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) وفي حديث أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها حين توفي زوجها أبو سلمة رضي الله عنه قَالَتْ سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وَسَلَّمَ يقولُ: ما مِن عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فيَقولُ: (إنَّا لِلهِ وإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ)، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي في مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لي خَيْراً منها، إلَّا أَجَرَهُ اللهُ في مُصِيبَتِهِ، وَأَخْلَفَ له خَيْراً منها. قالَتْ: فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ، قُلتُ: كما أَمَرَنِي رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وَسَلَّمَ، فأخْلَفَ اللهُ لي خَيْراً منه، رَسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وَسَلَّمَ) وهذه الكلمة، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَاخْلُفْ لِي خَيْراً مِنْهَا، من أبلغ علاج المصاب وأنفعه للإنسان في عاجلته وآجلته فإنها تتضمن أصلين عظيمين: أحدهما: أن العبد وأهله وماله ملك لله عز وجل حقيقة، وقد جعله عند العبد عارية منه، فهو كالمعير، يأخذ متاعه من المستعير، وليس العبد هو الذي أوجده من عدم حتى يكون ملكه حقيقة، ولا هو الذي يحفظه من الآفات بعد وجوده، ولا يبقى عليه وجوده فليس له تأثير ولا ملك حقيقي، وأيضاً فإنه متصرف فيه بالأمر تصرف العبد المأمور والمنهي، لا تصرف المالك، ولهذا لا يباح له من التصرفات فيه إلا ما وافق أمر مالكه الحقيقي.

الثاني: أن مصير العبد ومرجعه إلى الله مولاه الحق، ولا بد أن يخلف الدنيا وراء ظهره، ويجيء ربه كما خلقه أول مرة، بلا أهل ولا مال ولا عشيرة، ولكن بالحسنات والسيئات، فإذا كانت هذه بداية العبد وما حوله ونهايته، فكيف يفرح بموجود، أو يأسى على مفقود، ففكره في مبدئه ومعاده، من أعظم علاج لهذا الداء.  ثالثاً: ومن علاج المصائب أن يعلم العبد علم اليقين، أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، قال تعالى: (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ)

رابعاً: ومن علاج المصائب: أن ينظر المرء إلى ما أصيب به فيجد ربه قد أبقى عليه مثله أو أفضل منه، وادخر له إن صبر ورضي ما هو أعظم من فوات تلك المصيبة بأضعاف مضاعفة وأنه لو شاء لجعلها أعظم مما هي عليه، فربما أصيب بعض الناس بفقد أحد أبنائه، وهذه مصيبة ولا ريب لكن لو تدبر العبد أن الله تعالى قد أبقى له بقية الأبناء لصبر وشكر الله على بقاء البقية الباقية منهم.  خامساً: ومن علاج المصائب: أن يطفئ نار مصيبته ببرد التأسي بأهل المصائب والمحن وليعلم أنه في كل ناحية مصاب أو منكوب، ولينظر العبد يمنة فهل يرى إلا محنة ، ثم ليعطف يسرة فهل يرى إلا حسرة وأنه لو فتش العالم لم ير فيهم إلا مبتلى، إما بفوات محبوب أو حصول مكروه  وأن شرور الدنيا أحلام نوم، أو كظل زائل، إن أضحكت قليلاً أبكت كثيراً، وإن سرت يوماً ساءت دهراً وإن متعت قليلاً منعت طويلاً ، وما ملأت داراً حبرة إلا ملأتها عبرة، ولا سرته بيوم سرور  إلا خبأت له يوم شرور. قال ابن مسعود رضى الله عنه: لكل فرحة ترحة، وما ملئ بيت فرحاً إلا ملئ ترحاً.. سادساً: ومن علاج المصائب: أن يعلم العبد أن الجزع لا يرد المصيبة، بل يضاعفها وهو في الحقيقة من تزايد المرض.

سابعاً: ومن علاجها، أن يعلم العبد أن فوات ثواب الصبر والتسليم، وهو الصلاة والرحمة والهداية التي ضمنها الله على الصبر والاسترجاع، أعظم من المصيبة في الحقيقة.

ثامناً: ومن علاجها، أن يعلم أن الجزع يشمت عدوه، ويسوء صديقه، ويغضب ربه، ويسر شيطانه، ويحبط أجره، ويضعف نفسه، وإذا صبر واحتسب، أضعف شيطانه، ورده خاسئاً وأرضى ربه، وسر صديقه، وساء عدوه، وحمل عن إخوانه وعزاهم هو قبل أن يعزوه فهذا هو الثبات والكمال الأعظم، لا لطم الخدود وشق الجيوب، والدعاء بالويل والثبور، والسخط على ما قدره تبارك وتعالى

اللَّهُمَّ إنِّا نعُوذُ بكَ مِن زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ يا سميع الدعاء.

نفعني الله وإيّاكم بالقرآن العظيم، وبهديِ سيد المرسلين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيمَ الجليل لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كلّ ذنبٍ فاستغفروه، إنّه هو الغفور الرحيم.

 

 

 

الخطبة الثانية

الحمد لله ولي الصالحين، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله العالمين، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله إمام المرسلين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد فيا أيها المسلمون والمسلمات: ومن الأسباب التي يتسلى بها المسلم عن مصيبته، ويعالج حرها وتكون حافزاً للصبر على الفتنة في الدنيا. وهو السبب التاسع: أن يعلم العبد أن ما يعقبه الصبر والاحتساب من اللذة والمسرة، أضعاف ما كان يحصل له ببقاء ما أصيب به لو بقي عليه، ويكفيه من ذلك بيت الحمد الذي يبنى له في الجنة، على حمده لربه، واسترجاعه، فلينظر أي المصيبتين أعظم : مصيبة العاجلة  أو المصيبة بفوات بيت الحمد في جنة الخلد ، قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: ( يَوَدُّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يُعْطَى أَهْلُ الْبَلَاءِ الثَّوَابَ لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ قُرِضَتْ فِي الدُّنْيَا بِالْمَقَارِيضِ)، وقال بعض السلف لولا مصائب

الدنيا لوردنا القيامة مفاليس.

عاشراً: ومن علاج المصائب، أن يروح العبد قلبه بروح الرضا، رجاء الخلف من الله تعالى فإنه من كل شيء عوض، إلا الله فما منه عوض، كما قيل:

مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِذَا ضَيَّعْتَهُ عِوَضُ

                                    وَمَا مِنَ اللهِ إِنْ ضَيَّعْتَهُ عِوَضُ

الحادي عشر: ومن علاجها، أن يعلم العبد أن حظه من المصيبة، ما تحدثه له، فمن رضي فله الرضى ومن سخط فله السخط ، قال صلى الله عليه وسلم: (ِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْماً ابْتَلَاهُمْ ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا ، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ) فحظ العبد من المصيبة ما أحدثته له ، فاختر خير الحظوظ أو شرها ، فإن أحدثت له سخطاً وكفراً ، كتب في ديوان الهالكين، وإن أحدثت له جزعاً وتفريطاً في ترك واجب ، أو فعل محرم ، كتب في ديوان المفرطين ، وإن أحدثت له شكاية وعدم صبر كتب في ديوان المغبونين وإن أحدثت له اعتراضاً على الله  وقدحاً في حكمته، فقد قرع باب الزندقة أو ولجه، وإن أحدثت له صبراً وثباتاً لله، كتب في ديوان الصابرين، وإن أحدثت له الرضى عن الله، كتب في ديوان الراضين، وإن أحدثت له الحمد والشكر، كتب في ديوان الشاكرين، وكان تحت لواء الحمد مع الحامدين، وإن أحدثت له محبة واشتياقاً إلى لقاء ربه تبارك وتعالى، كتب في ديوان المحبين المخلصين.

الثاني عشر: تذكر العبد موت النبي صلى الله عليه وسلم، وعندها يستصغر الإنسان أي مصيبة يصاب بها، ففي الحديث الصحيح يقول صلى الله عليه وسلم: يا أَيُّها الناسُ، أَيُّما أحدٍ من الناس أو من المؤمنينَ أُصِيبَ بمصيبةٍ فلْيَتَعَزَّ بمصيبتِه بي، عن المصيبةِ التي تُصِيبُه بغيري، فإنَّ أحداً من أُمَّتي، لن يُصابَ بمصيبةٍ بعدي أَشَدَّ عليه من مصيبتي)

 اِصبِر لِكُلِّ مُصيبَةٍ وَتَجَلَّدِ

                                     وَاِعلَم بِأَنَّ المَرءَ غَيرُ مُخَلَّدِ

أَوَما تَرى أَنَّ المَصائِبَ جَمَّةٌ

                                      وَتَرى المَنِيَّةَ لِلعِبادِ بِمَرصَدِ

مَن لَم يُصِب مِمَّن تَرى بِمُصيبَةٍ

                                       هَذا سَبيلٌ لَستَ فيهِ بِأَوحَدِ

وَإِذا ذَكَرتَ مُحَمَّداً وَمَصابَهُ

                                      فَاِذكُر مُصابَكَ بِالنَبِيِّ مُحَمَّدِ

وأخيراً: ومن علاج المصائب، وهو أعظم سبل علاج حر المصيبة، التزام أمر الله تعالى، الذي أمر عباده بالصبر على الفتن والمصائب والمحن ووعدهم على ذلك بعظيم الأجر.

 أسأل الله تعالى أن يرزقنا جميعاً الصبر في مواطن الفتن، وأن يلهمنا طاعته في كل أحوالنا، وان يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء، ونسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، وأحسن اللهم عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.

اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين، اللهم اجعل كلمتك هي العليا إلى يوم الدين.

اللهم آمنا في وطننا وفي خليجنا واجعله آمناً مطمئناً سخاء رخاء وسائر بلاد المسلمين. اللهم وفق ولاة أمورنا لما تحب وترضى، وفق ملكنا حمد بن عيسى وولي عهده رئيس وزرائه سلمان بن حمد، اللهم أعنهم على أمور دينهم ودنياهم.  وهيئ لهم من أمرهم رشداً وأصلح بطانتهم ومستشاريهم ووفقهم للعمل الرشيد، والقول السديد، ولما فيه خير البلاد والعباد إنك على كل شيء قدير..

اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان اللهم أصلح أحوالهم في السودان وفي اليمن وفي فلسطين وألف بين قلوبهم وولي عليهم خيارهم.. اللهم كن لإخواننا المستضعفين في كل مكان ناصراً ومؤيداً ومعيناً، اللهم اجعل لأهل فلسطين وغزة النصرة والعزة، والغلبة، والقوة، والهيبة، وارزقهم الثبات والنصر والتمكين، وبارك لهم في إيمانهم وصبرهم.

واجبر كسرهم، واحقن دمائهم، واشفي جرحاهم، وتقبل شهدائهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم وأخرجهم من أشد الضيق إلى أوسع الطريق، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم أحفظ بيت المقدس والمسجد الأقصى وأهله واجعله شامخاً عزيزاً عامراً بالطاعة والعبادة إلى يوم الدين.

اللهم اشفِ مرضانا، وعاف مبتلانا، وارحم موتانا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، واختم بالباقيات الصالحات أعمالنا..

اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان يا سميع الدعاء.

الْلَّهُمَّ صَلِّ وَسَلَّمَ وَزِدْ وَبَارِكَ عَلَىَ سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَىَ آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِيْنَ. (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)