22 ذو الحجة 1440 هـ

23 أغسطس 2019 م

الحمد لله المتفرّد بالدّوام والبقاء، المنزّه عن العَدَم والفناء، نحمده تعالى على قضائه وقدره، وصفاء الأمر وكَدَرِه، ونشكره على حال السرّاء والضرّاء، والشدّة والرخاء، ونسأله الصبر على مُرِّ القضاء. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، إمام الحنفاء وسيد الأصفياء، صلى الله وسلم عليه وعلى آله الأتقياء الأنقياء، وصَحْبه بُدُور الاهتداء وأنجم الاقتداء، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما دامت الأرض والسماء.

أمّا بعد: فيا عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى :(وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ)

معاشر المسلمين: الابتلاءات والمصائب والمحن  في هذه الحياة الدنيا أمر لا بد منه، من منّا لم تنزل به مصيبة، أو يتعرض لمشكلة؟ من منا لم يفقد حبيباً أو قريباً، أو صديقاً عزيزاً، أو يخسر تجارة أو يتألم لمرض وعلة ونحوه؟.. عباد الله: وهذه الحياة الدنيا مليئة بالحوادث والفواجع والأمراض والقواصم، فبينما الإنسان يسعد بقرب عزيز أو حبيب، إذا هو يفجع ويفاجأ بخبر وفاته، وبينما الإنسان في صحة وعافية وسلامة وسعة رزق، إذا هو يُفجع ويفاجأ بمرض يكدّرعليه حياته ويقضي على آماله، أو بضياع مال أو وظيفة أو منصب، تذهب معه طموحاته وتفسد مخططاته ورغباته.

أيها المؤمنون: في هذه الدنيا منح ومحن، وأفراح وأتراح، وآمال وآلام، فدوام الحال من المحال، والصفو يعقبه الكدر، والفرح فيها مشوب بترح وحذر. وهيهات أنْ يضحك من لا يبكي، وأنْ يتنعّم من لم يتنغَّصْ، أو يسعدَ من لم يحزنْ!. هكذا هي الدنيا وهذه أحوالها، وليس للمؤمن الصادق فيها إلا الصبر، فذلكم دواء أدوائها. يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) ويقول سبحانه: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ  الَّذِينَ إذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إنَّا لِلَّهِ وَإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ  أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ). ويقول صلى الله عليهِ وسلم: (إِنَّ العَبدَ إِذَا سَبَقَت لَهُ مِنَ اللهِ مَنزلَةٌ، فلَم يَبلُغهَا بعَملٍ، ابتَلاَهُ اللهُ في جَسدِهِ أو مَالِهِ أو في وَلَدِهِ، ثُمَّ صَبَرَ على ذلك، حتَّى يُبَلِّغَهُ المَنزلَةَ التي سَبَقَت لهُ مِنَ اللهِ عزَّ وجَلَّ) ويقول الحسن البصري رحمه الله: (جرَّبْنا وجرَّب المجرِّبون فلم نر شيئاً أنفع من الصبر، به تداوى الأمور، وهو لا يُداوى بغيره). وما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر، وكان أمر المؤمن من بين الناس أمراً عجيباً؛ لأنّه إنْ أصابته سراءُ شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراءُ صبر فكان خيراً له، كما صح بذلك الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم…

أيها المؤمنون: ونظراً لحاجتنا جميعاً إلى هذه الخصلة أعني الصبر، وافتقارنا الشديد إليها في كل وقت وحين، دعونا نذكر أنفسنا بعشر وصايا تعين المسلم على الصبر عند المصائب والشدائد،  في هذه الحياة الدنيا بإذن الله تعالى، وهي: أولاً: إعداد النفس:فعلى المسلم أن يهيِّئ نفسه للمصائب قبل وقوعها، وأنْ يدرِّبها عليها قبل حدوثها، وأنْ يعمل على صلاح شؤونها؛ لأنّ الصبر عزيز ونفيس، وكل أمر عزيز يحتاج إلى دربة عليه… على المسلم أنْ يتذكّر دوماً وأبداً زوال هذه الدنيا ، وسرعة الفناء، وأنْ ليس لمخلوق فيها بقاء، وأنّ لها آجالاً منصرمة ومُدداً منقضية، وقد مثَّل الرسول صلى الله عليه وسلم  حالَه في الدنيا كراكب سار في يوم صائف، فاستظلَّ تحت شجرة ساعة من نهار، ثم راح وتركها.

فلا تغترّ ـ أيها المسلم ويا أيتها المسلمة ـ برخاء، ولا تؤمِّلْ أنْ تبقى الدنيا على حال أو تخلوَ من تقلُّب وإصابة واستحالة، فإنّ من عرف الدنيا وخبر أحوالها هان عليه بؤسها ونعيمها، وقد قال بعض الحكماء: (من حاذر لم يهلع، ومن راقب لم يجزع، ومن كان متوقِّعاً لم يكن متوجِّعاً، ومن أحبَّ البقاء فليُعِدَّ للمصائب قلباً صبوراً)… ثانياً: مما يعين المسلم على الصبر عند المصائب الإيمان بالقضاء والقدر: فمن آمن بالقضاء والقدر وعلم أنّ الدنيا دار ابتلاء واختبار، وأنّ القدر لا يُردّ ولا يؤجَّل، اطمأنت نفسه وهان أمره.. ومن المشاهَد المعلوم أنّ المؤمنين هم أقلّ الناس تأثُّراً بمصائب الدنيا، وأقلُّهم جزعاً وارتباكاً، فالإيمان بالقضاء والقدر صار كصِمَام الأمان الواقي لهم بإذن الله من الصدمات والنكسات. إنهم مؤمنون بما أخبرهم به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: حينما قال : (وَاعْلَمْ أَنَّ الأمة لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتْ الْأَقْلاَمُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ) إنهم مؤمنون بأنّ الآجال والأرزاق مقرَّرة مقدَّرة والمرء في بطن أمه،يقول صلى الله عليه وسلم: (وكَّل الله بالرَّحِم مَلَكاً، فيقول: أيْ ربِّ نُطفةٌ؟ أيْ ربِّ عَلقةٌ؟ أيْ ربِّ مُضغَةٌ؟ فإذا أراد الله أن يقضي خلقها قال: أيْ ربِّ أذَكَر أم أنثى؟ أشقيٌّ أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيُكتب كذلك في بطن أمه)… تقول أُمُّ حَبِيبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُمَّ مَتِّعْنِي بِزَوْجِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أي بحياته، وَبَأَبِي أَبِي سُفْيَانَ، وَبِأَخِي مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّكِ قَدْ سَأَلْتِ اللَّهَ لآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ ، وَأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ مَقْسُومَةٍ، لَنْ يُعَجَّلَ شَيْءٌ قَبْلَ حِلِّهِ، أَوْ يُؤَخَّرَ شَيْءٌ عَنْ حِلِّهِ، وَلَوْ كُنْتِ سَأَلْتِ اللَّهَ أَنْ يُعِيذَكِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، أَوْ عَذَابِ الْقَبْرِ ، كَانَ خَيْراً لَكِ وَأَفْضَلَ) .

أيها الإخوة والأخوات في الله: ثالثًاً: ومما يعين المسلم على الصبر عند المصائب، تذكر حال الرسول صلى الله عليه وسلم  والسلف الصالح: فالرسول عليه الصلاة والسلام  أسوة لكل مسلم كما قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) وفي تأمُّل حاله صلى الله عليه وسلم عظة وسلوى وعزاء، فقد كانت حياته كلها صبراً وجهاداً، ففي فترة وجيزة مات عمه أبو طالب الذي كان يمنع المشركين من أذاه، وماتت زوجته الوفيّة الصابرة خديجة، واستشهد عمه حمزة بن عبد المطلب، ومات ابنه إبراهيم، وفُجِعَ بفَقْدِ جميع أبنائه في حياته ما عدا فاطمة رضي الله عنها،  فلم يزد على أنْ قال وقد دمعت عيناه: (إنّ العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يَرْضَى ربُّنا، وإنا بفراقكم لمحزونون) ومات الكثير من آل بيته وقرابته وأصحابه، الذين أحبَّهم وأحبّوه، فما فَتَّ ذلك في عضُدِه، ولا قلَّل من عزيمته وصبره… عباد الله: ومن أعظم ما يخفف مصيبة المصاب، تذكره لمصيبته بموت الحبيب المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم وذلك لأن وفاته ليست كوفاة سائر الناس أو الأنبياء، إذ بموته صلوات الله وسلامه عليه، انتهت النبوات، وانقطع الوحي عن الأرض . ومن تأمَّل أحوال السلف الصالح رحمهم الله وجدهم قد حازوا الصبر على خير وجوهه. تأمَّلوا حال التابعي عروة بن الزبير رحمه الله وقد ابتلي في موضع واحد بقطع رجله مع موت ابنه فلم يزد على أنْ قال: (اللهمّ كان لي بنون سبعة فأخذتَ واحداً وأبقيتَ لي ستة، وكان لي أطراف أربعة فأخذت طرفًاً وأبقيت ثلاثة، اللهم إنّ كُنتَ قد ابتلَيْتَ فقد عافيت، وإن كنت أخذتَ فقد أبقيت). لله دره من مؤمن صبور محتسب، ومات عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز رحمه الله فدفنه أبوه، ثم استوى على قبره قائماً فقال وقد أحاط به الناس: (رحمك الله يا بُنيّ، قد كنتَ براً بأبيك، والله ما زلتُ مذ وهبكَ الله لي مسروراً بك، ولا والله ما كنتُ قطّ أشدَّ بك سروراً ولا أرجى بحظي من الله تعالى فيك منذ وضعتك في هذا المنْزل الذي صيَّرك الله إليه)…رابعاً: ومما يعين المسلم على الصبر عند المصائب والشدائد، استحضار سعة رحمة الله عز وجل وواسع فضله: فالمؤمن الصادق في إيمانه يُحْسِن ظنَّه بربه، وقد قال الله تعالى كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أنا عند ظن عبدي بي). فثقوا عباد الله بسعة رحمة الله تعالى بي وبكم، وأنّ أقداره خير في حقيقة أمرها وإنْ كانت في ظاهرها مصائبَ مكروهةً وموجعةً، وقد قال الله تعالى: (وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (عجباً للمؤمن! لا يقضي الله له شيئاً إلا كان خيراً له). ثمَّ تأمَّلوا فيما حباكم به الله من النعم والمنن لتعلموا أنّ ما أنتم فيه من البلاء كقطرة صغيرة في بحر النعماء، وتذكَّروا أنّ الله لو شاء لجعل المصيبة أعظم، والحادثة أجل وأفدح، واعلموا أنّ فيما وُقيتم من الرزايا وكُفيتم من الحوادث والبلايا ما هو أعظم مما أُصبتم به.

خامساً: ومما يعين المسلم على الصبر عند المصائب، التأسي بغيره من أهل المصائب: تأسَّوْا بغيركم وتذكَّروا مصائبهم، وانظروا إلى من هو أشدّ مصيبة منكم، فإنّ في ذلك ما يُذهب الأسى ويخفف الألم ويقلِّل الهلع والجزع. وتذكَّروا أنّ مَن يتصبَّرْ يُصَبِّرْهُ الله، ليتذكَّرْ من أصيب بعاهة أو مرض مَنْ أصيب بما هو أشدّ، وليتذكَّرْ من فجع بحبيب وعزيز مَن فُجع بأحباب وأعزاء، وليتذكَّرْ من فقد ابنه مَن فقد أبناء، وليتذكَّرْ مَن فقد أبناءً مَن فقد عائلة كاملة. ليتذكَّر الوالدان المفجوعان بموت أبن لهم، آباءً لا يدرون شيئاً عن أبنائهم، فلا يعلمون أهم أحياء فيرجونهم أم أموات فينسونهم، وقد فقد يعقوبُ يوسفَ عليهما السلام ومكث على ذلك عقوداً من السنين، وبعد أنْ كبِر وضعف فقد ابنًاً آخر، فلم يزد على أنْ قال في أول الأمر: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) ، ثمّ قال في الحال الثاني: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ).

سادساً: ومما يعين المسلم على الصبر عند المصائب،تذكّر أنّ المصائب من دلائل الفضل، وشواهد النبل، وكيف لا يكون ذلك، وقد سأل الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ : أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً ؟ قَالَ : (الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الصَّالِحُونَ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ مِنَ النَّاسِ) ، قَالَ : (يُبْتَلَى المرءُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صَلابَةٌ زِيدَ فِي بَلائِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ خُفِّفَ عَنْهُ، فَلا يَزَالُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى الأَرْضِ وَمَا لَهُ خَطِيئَةٌ) وقال عليه الصلاة والسلام: (مَن يرد الله به خيراً يُصِبْ منه)

ولله در القائل:

اصْبِرْ لكـلِّ مصيبـةٍ وتجَلَّدِ

واعلم بأنّ المرءَ غيرُ مُخَلـَّدِ

أَوَما ترى أنّ الْمصائبَ جَمَّةٌ

وترى الْمنيّةَ للعبـاد بِمَرْصَدِ

مَن لم يُصب ممن ترى بمصيبةٍ

هذا سبيلٌ لستَ فيـه بأَوْحَدِ

وإذا ذكرتَ مصيبةً تَسْلُو بها

فاذكر مُصَـابَكَ بالنبي محمّدِ

اللهم إنا نسألك أن تجعلنا ممن إذا ابتلي صبر، وإذا أنعمت عليه شكر، وإذا أذنب استغفر، واغفر اللهم لنا وارحمنا إنك أنت الغفور الرحيم.

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي سيد المرسلين، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي خلق كل شيء بقدر، وسجد له النجم والشجر، وخلق عباده وأمر، وعمَّ بنعمه جميع البشر، فمنهم من شكر، ومنهم من كفر، ونشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله، الذي ابتلي فصبر، وأعطي فشكر، صلى الله وسلم عليه، وعلى آله وأصحابه وأتباعه.

أما بعد: فيا أيها المسلمون: ومما يعين المسلم على الصبر عند المصائب وهو الأمر السابع: ليتذكر كل منا عباد الله ما أعدّه الله تبارك وتعالى  للمبتلَين الصابرين من الأجر والثواب وتكفير السيئات ورفعة الدرجات وحسن الخلف والعوض، فأمّا الأجر والثواب فلا أحسن ولا أعظم من الجنة جزاءً وثواباً، وقد وعِد بها كثير من الصابرين، فوُعِدت بها تلك المرأة التي كانت تُصرع إذا ما صبرت،وصبرت ودعا لها النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة.. ووُعِد بها الذي فقد بصره، فقال عليه الصلاة والسلام: (إنّ الله قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوَّضته منهما الجنة) وكان لمن فقد ولداً عزيزاً نصيب كبير من البشارة بالجنة لعلم الله بعظم مصيبته وكونه بعباده رحيماً، فبشّر عليه الصلاة والسلام المرأة التي مات لها ثلاثة من أولادها بأنها احتمت بحمًى منيع من النار، فقد أتته ومعها صبي لها مريض وقالت: يا نبي الله، ادعُ الله له فلقد دفنت ثلاثة، قال: (دفنتِ ثلاثة؟!)، قالت: نعم، قال: (لقد احتضرت بحضار شديد من النار)… وإليكما- أيُّها الوالدان المكلومان – حديثًا آخر، وحسبكما به عزاءً وتفريجاً، يقول صلى الله عليه وسلم : (إِذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِمَلائِكَتِهِ، ( وهو أعلم بذلك) (قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ ، فَيَقُولُ : قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ : مَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ ، فَيَقُولُ : ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ)…

ثامناً: ومما يعين المسلم على الصبر عند المصائب، كفّ النفس عن تذكر المصيبة: على من أصيب بمصيبة أنْ يكفَّ نفسه عن تذكُّرها وتردادها في ذهنه، وأنْ ينفيَ الخواطر والمهيِّجات إذا مرَّتْ به، ولا ينمّيها ويعايشها، فإنها تصير أماني لا نفع منها ولا غنًى وراءها، وأمثال هذه الأماني رؤوس أموال المفاليس؛ لأنّ من مات لا يعود، وما قُضي لا يردّ، وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله: (لا تستفزُّوا الدموع بالتذكُّر). وممّا يقع فيه كثير ممّن أصيب بفقد ولد أو حبيب أو قريب أنه يسعى إلى الاحتفاظ ببعض أشياء الميت التي تذكِّره به في كل حين، وهذا خطأ، مما يحول دون برء جرح المصاب، ويجدِّد همومه وأحزانه وغمومه.

تاسعاً: ومما يعين المسلم على الصبر عند المصائب الابتعاد عن العزلة والانفراد: ابتعد -أيُّها المصاب- عن العزلة والانفراد، فإنّ الوساوس لا تزال تجاذب المنعزل المتفرِّغ، والشيطان على المنعزل أقدر منه على غيره. وأشغل نفسك بما فيه نفعك، واحزم أمرك، واشتغل بالأوراد المتواصلة والقراءة والأذكار والصلوات، واجعلها أنيسك ورفيقك، فإنّه بذكر الله تطمئنّ القلوب.. عاشراً: ومما يعين المسلم على الصبر عند المصائب ترك الجزع والتشكي: إيّاكم عند المصائب الجزعَ وكثرةَ الشكوى، فإنّ من غفل عن أسباب العزاء ودواعي السلوة، تضاعفت عليه شدّة الأسى والحسرة، وهو بهذا كمن سعى في حتفه وأعان على تلفه، فلا يطيق على مصابه صبراً، ولا يجد عنه سُلُوًّا، حُكي أنّ أعرابية دخلت من البادية، فسمعت صُراخاً في دار، فقالت: ما هذا؟ فقيل لها: مات لهم إنسان، فقالت: ما أراهم إلا من ربهم يستغيثون، وبقضائه يتبرّمون، وعن ثوابه يرغبون… تذكَّروا أنّ الجزع لا يردّ الفائت، ولكنه يُحزن الصديق ويسرّ الشامت، ولا تقرنوا بحزن الحادثة قنوط الإياس، فإنهما لا يبقى معهما صبر ولا يتّسع لهما صدر. وقد قيل: (المصيبة بالصبر أعظم المصيبتين). مات لرجل وامرأة ابنٌ يُحِبَّانِهِ، فقال الرجل لزوجته: اتقي الله واحتسبيه واصبري، فقالت: مصيبتي أعظم من أنْ أفسدها بالجزع… وأخيرًا عباد الله: فإنّ الصبر على المصائب يُعقب الصابرَ الراحة منها، ويُكسبه المثوبة عنها، فإنْ صبر طائعاً وإلا احتمل همًّاً لازماً، وصبر كارهاً آثماً.

يقول الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه : (إنا وجدنا خير عيشنا الصبر)،   ويقول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه : (إنّك إنْ صبرت جرى عليك القلم وأنت مأجور، وإنْ جزعت جرى عليك القلم وأنت مأزور)، جعلنا الله جميعاً من الصابرين الشاكرين، وهو حسبنا ونعم الوكيل. اللهم اجعلنا عند البلاء من الصابرين، وعند النعماء من الشاكرين، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه يارب العالمين. اللهم لا تدع  لنا في مقامنا هذا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته ، ولا دَيناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته ، ولا عدواً إلا كفيته ، ولا غائباً إلا رددته ، ولا عاصياً إلا عصمته ، ولا فاسداً إلا أصلحته ، ولا ميتاً إلا رحمته ، ولا عيباً إلا سترته ، ولا عسيراً إلا يسرته ، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة لك فيها رضاً ، ولنا فيها صلاح إلا أعنتنا على قضائها في يسر منك وعافية برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم آمنا في وطننا وفي خليجنا واجعل هذا البلد آمنا مطمئنا سخاء رخاء وسائر بلاد المسلمين. اللهم وفق ملكنا حمد بن عيسى، ورئيس وزرائه خليفة بن سلمان، وولي عهده سلمان بن حمد،اللهم  وفقهم  لما تحب وترضى،وخذ بناصيتهم للبر والتقوى، وهيئ لهم البطانة الصالحة الناصحة يا ذا الجلال والإكرام. اللهم كن لإخواننا المستضعفين ناصرا ومؤيدا، اللهم كن لهم في فلسطين وفي بيت المقدس وفي بلاد الشام وفي اليمن وفي كل مكان، اللهم فرج همهم ونفس كربهم، وألف بين قلوبهم، ولا تجعل لعدو ولا طاغية عليهم سبيلا.. اللهم حرر الأقصى من أيدي الصهاينة المعتدين الغاصبين، وارزقنا فيه صلاة طيبة قبل الممات يا رب العالمين..

اللهم فرج الهم عن المهمومين،ونفس الكرب عن المكروبين،واقض الدين عن المدينين،واشف مرضانا ومرضى المسلمين،برحمتك يا أرحم الراحمين.( رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.)  اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات،والمسلين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات إنك على كل شيء قدير.. اللهم صل وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين…

عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والإحسان وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ويغفر الله لي ولكم.

خطبة جامع الفاتح الإسلامي – عدنان بن عبد الله القطان – مملكة البحرين